محمد بن علي الشوكاني

361

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

يلونهم ( 1 ) . وإن كانت تلك المزايا لأمر عقلي فما هو ؟ أو لأمر شرعي فأين هو ؟ . ولا ننكر أن الله قد جعلهم بمحل من العلم والورع ، وصلابة الدين ، وأنهم من أهل السبق في كل الفضائل والفواضل ، وعن الشأن في المتعصب لهم من أتباعهم ، القائل أنه لا يجوز تقليد غيرهم ، ولا يعتد بخلافه إن خالف ، ولا يجوز لأحد من علماء المسلمين أن يخرج عن تقليدهم وإن كان عارفا بكتاب الله ، وسنة رسوله ، قادرا على العمل بما فيهما ، متمكنا من استخراج المسائل الشرعية منهما ، فلم يكن مقصودنا إلا التعجيب لمن كان له عقل صحيح ، وفكر رجيح ، وتهوين الأمر عليه فيما نحن بصدده من الكلام على ما يفعله المعتقدون للأموات ، وأنه لا يغتر العاقل بالكثرة وطول المهلة مع الغفلة ؛ فإن ذلك لو كان دليلا على الحق لكان ما زعمه المقلدون المذكورون حقا ، ولكان ما يفعله المعتقدون للأموات حقا . وهذا عارض من القول أوردناه للتمثيل ، ولم يكن من مقصودنا ، والذي نحن بصدده هو أنه إذا خفي على بعض أهل العلم ما ذكرناه وقررناه في حكم المعتقدين [ 36 ] للأموات لسبب من أسباب الخفاء التي قدمنا ذكرها ، ولم يتعقل ما سقناه من الحجج البرهانية القرآنية والعقلية فينبغي أن تسأله : ما هو الشرك ؟ فإن قال : هو أن تتخذ مع الله إلها آخر كما كانت الجاهلية تتخذ الأصنام آلهة مع الله - سبحانه - فقل له : وماذا كانت الجاهلية تصنعه لهذه الأصنام التي اتخذوها حتى صاروا مشركين ؟ فإن قال : كانوا يعظمونها ويقربون لها ، ويستغيثون بها ، وينادونها عند الحاجات ، وينحرون لها النحائر ، ونحو ذلك من الأفعال الداخلة في مسمى العبادة فقل له : لأي شيء كانوا يفعلون لها ذلك ؟ فإن قال : لكونها الخالقة ، أو الرازقة ، أو المحيية ، أو المميتة فاقرأ عليه ما قدمنا لك من البراهين القرآنية المصرحة بأنهم مقرون بأن الله الخالق الرازق المحيي المميت ، وأنهم إنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى ، وقالوا : هم شفعاؤهم عند الله ، ولم يعبدوها

--> ( 1 ) تقدم تخريجه في رسالة " التحف في مذاهب السلف " ( ص 255 ) .